Views: 4.6K
في سيرة الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله، واحدِ أبرز علماء التفسير في العصر الحديث، مواقف كثيرة تأخذ بالألباب وتهزّ القلوب. لكنّ من بين جميع ما رُوي عنه، تبقى هذه القصة واحدة من أكثر الحكايات غرابة وإثارة للدهشة، لأنها تتعلق بآية قرآنية استعصى عليه فهمها وفقاً لقواعد اللغة العربية، قبل أن يأتيه الجواب بطريقة لا يتخيّلها عقل بشري.
والقصة لا يرويها شخص عادي أو ناقل مجهول، بل يرويها الشعراوي نفسه رحمه الله بكل تفاصيلها، مما يمنحها ثقلاً خاصاً يستحق أن نتوقف عنده طويلاً.
الآية التي أشكلت على الشيخ الشعراوي: إشكال نحوي دقيق
كان الشيخ الشعراوي رحمه الله يتدبّر كتاب الله تعالى كعادته، حين توقف عند قول الله عزّ وجلّ في سورة الزخرف:
﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ﴾ — الزخرف: 84
قد يقرأ كثير من الناس هذه الآية فلا يلاحظون فيها شيئاً يستوقفهم. لكنّ الشعراوي لم يكن قارئاً عادياً، بل كان عالماً ضليعاً في علوم النحو والبلاغة والتفسير، وصاحب عين لا تُخطئ الدقائق اللغوية مهما صغُرت.
القاعدة النحوية التي أثارت الحيرة: تكرار النكرة في الجملة العربية
لاحظ الشيخ الشعراوي أمراً دقيقاً للغاية: كلمة “إلهٌ” جاءت في الآية الكريمة نكرة – أي بدون “ألف ولام” التعريف – وتكررت مرتين:
- مرة مع السماء: “فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ”
- ومرة مع الأرض: “وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ”
وهنا يكمن الإشكال. ففي قواعد النحو العربي قاعدة راسخة ومعروفة تقول:
إذا تكررت النكرة مرتين في الكلام، فإن الأولى تكون غير الثانية.
مثال توضيحي لفهم القاعدة
لو قال شخص: “أكرمتُ رجلاً في البيت ورجلاً في الشارع”، فإن المفهوم تلقائياً أن الرجل الذي في البيت شخص مختلف عن الرجل الذي في الشارع، لأن كلمة “رجل” جاءت نكرة في الموضعين.
فإذا طبّقنا هذه القاعدة حرفياً على الآية الكريمة، فإن ظاهر التركيب اللغوي قد يُوهم – والعياذ بالله – أن الإله الذي في السماء غير الإله الذي في الأرض، وهذا مستحيل قطعاً ومخالف لأصل التوحيد الذي هو جوهر العقيدة الإسلامية.
موقف الشعراوي: بين الحزن والبحث عن الإجابة
يصف الشيخ الشعراوي حالته في تلك اللحظة بكلمات مؤثرة. يقول إنه وقف حزيناً مهموماً وهو يُحدّث نفسه:
“ما هذا الذي أقوله؟ أستغفر الله العظيم! لكن أين الجواب؟ لا بدّ أن أسأل أساتذتي وإخواني من أهل العلم!”
ولم يكن الشعراوي رحمه الله من الصنف الذي يتكبّر عن السؤال أو يخجل من الاعتراف بأن مسألة ما قد أشكلت عليه. فهذه من صفات العلماء الحقيقيين الذين يعرفون أن العلم لا نهاية له، وأن فوق كل ذي علم عليم.
الرحلة إلى شيخه: بحثاً عن حلّ الإشكال اللغوي
بادر الشيخ الشعراوي من فوره، وانطلق مسرعاً إلى شيخه ومعلّمه الذي كان يقضي إجازته مع أهله في إحدى قرى الريف المصري. وصل إليه ولم يُضيّع وقتاً، بل قصّ عليه مباشرة ما استشكل عليه في تفسير الآية الكريمة، وشرح له القاعدة النحوية التي أثارت هذه الحيرة العميقة.
استمع الشيخ لتلميذه بإمعان، ثم قال له بهدوء العلماء:
“تعال أولاً، لنستعدّ لصلاة العصر فقد اقترب وقتها.”
وذهب الاثنان معاً إلى مسجد القرية، وكان مسجداً بسيطاً متواضعاً يقع في أطراف البلدة، من تلك المساجد الصغيرة التي تنتشر في ريف مصر، حيث يجتمع أهل القرية للصلاة والذكر وطلب العلم.
بعد الصلاة: نقاش علمي دون نتيجة
أدّى الشيخان صلاة العصر جماعة، ثم جلسا بعدها يتناقشان في المسألة. قلّبا القاعدة النحوية من كل جوانبها، وبحثا عن مخارج لغوية تحلّ الإشكال. لكنهما – رغم سعة علمهما وعمق فهمهما – لم يصلا إلى جواب شافٍ يُريح القلب والعقل معاً.
تخيّل المشهد: عالمان جليلان من أهل التفسير واللغة، يجلسان في مسجد قرية صغيرة، وبينهما آية من كتاب الله لا يجدان لها تفسيراً يُزيل الإشكال النحوي الذي ظهر أمامهما. هل يُعقل أن تبقى المسألة بلا جواب؟
المفاجأة الكبرى: رجل غريب يدخل المسجد ويحلّ اللغز
بينما الشيخان غارقان في التأمل والبحث، إذ فُتح باب المسجد، ودخل عليهما رجل قرويّ بسيط الهيئة، يبدو من مظهره أنه فلاح من أهل الريف، ممن يقضون أيامهم بين الحقول والزروع.
سلّم الرجل عليهما بتحية الإسلام:
“السلام عليكم.”
فردّا عليه السلام بلطف، ولعلهما لم يُعيراه اهتماماً كبيراً في البداية، ظنّاً منهما أنه أحد أهل القرية جاء ليسأل سؤالاً عابراً أو يُلقي التحية.
تحوّل مفاجئ في الموقف
لكنّ ما حدث بعدها كان صادماً تماماً. تغيّرت لهجة الرجل فجأة، وصار يتحدث بعربية فصيحة واضحة، ثم قال بثقة:
“تسألون عن قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ ﴾؟”
وقع كلامه على الشعراوي وشيخه كالصاعقة. كيف عرف هذا الرجل ما يدور بينهما؟ هو لم يكن موجوداً حين بدأ النقاش، ولم يسمع منهما كلمة واحدة قبل دخوله!
الإجابة التي أذهلت عالِمَين: سرّ الاسم الموصول في الآية
لم ينتظر الرجل الغريب إذناً بالكلام، بل مضى في شرحه بوضوح وبيان مدهش، فقال:
“أنسيتم الاسم الموصول (الَّذِي)؟ لقد نسيتم القاعدة الأهم!”
ثم أخذ يوضّح لهما ما غاب عنهما، وهو أمر في غاية الأهمية من حيث الصناعة النحوية:
القاعدة التي حلّت الإشكال
هناك قاعدة معروفة عند أهل النحو تقول: الاسم الموصول يُحوّل النكرة إلى معرفة. بمعنى أن وجود كلمة “الَّذِي” في بداية التركيب يجعل ما بعدها في حكم المعرفة لا النكرة.
فالله تعالى لم يقل: “هو في السماء إلهٌ وفي الأرض إلهٌ”، بل قال: “وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ”.
وجود “الَّذِي” غيّر كل شيء، لأنه ربط الجمل��ين معاً وجعلهما خبراً واحداً عن ذات واحدة. فالمعنى يصبح:
هو سبحانه الإله الواحد الذي يُعبد في السماء ويُعبد في الأرض، لا إله غيره ولا ربّ سواه.
وبذلك تسقط القاعدة النحوية المتعلقة بتكرار النكرة، لأن الاسم الموصول قد نقل التركيب من دائرة التنكير إلى دائرة التعريف، فلا مجال للتوهم بتعدد الآلهة، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً.
اختفاء الرجل الغريب: ما لا تفسير له
أتمّ الرجل شرحه بدقة متناهية، والشيخ الشعراوي مع شيخه يستمعان في ذهول تامّ من فصاحة هذا الرجل وعمق علمه، ومن كونه عرف سؤالهما دون أن يسمعه.
ثم فجأة، سكت الرجل وانصرف في صمت.
لم يُعرّف بنفسه، ولم يطلب شيئاً، ولم ينتظر شكراً أو ثناءً. خرج كما دخل: بهدوء غامض.
التفت الشيخ الشعراوي إلى شيخه وسأله بدهشة:
“من هذا العلّامة يا شيخنا؟”
فأجابه شيخه بعينين واسعتين:
“والله لا أعرفه! هذا الرجل ليس من أهل بلدتنا!”
الصدمة الحقيقية: شهادة من كانوا أمام المسجد
قام الشيخ الشعراوي مسرعاً وخرج من باب المسجد، فوجد مجمو��ة من أهل القرية يجلسون على الباب ينتظرون. فسألهم على عجل:
“أين الرجل الذي خرج من المسجد قبل لحظات؟ هل تعرفونه؟ في أي اتجاه ذهب؟”
فنظروا إليه باستغراب، وقالوا جميعاً كلاماً واحداً:
“يا شيخنا، لم يدخل عليكم أحد، ولم يخرج من عندكم أحد!”
لم يُصدّق الشعراوي ما يسمع، فأعاد عليهم السؤال:
“كيف هذا؟! لعله دخل من باب آخر أو مرّ ولم تنتبهوا له!”
فأجابوه بيقين تامّ:
“هذا مستحيل يا شيخنا. نحن جالسون هنا ننتظر شيخنا الذي يجلس معك لنسأله بعض الأسئلة بعد انتهائكم. كنا منتبهين للباب تماماً، ولم يدخل عليكم أي إنسان، ولم يخرج أحد.”
تعليق الشيخ الشعراوي: الله يحفظ دينه بجنود لا نعرفها
وقف الشيخ الشعراوي رحمه الله أمام هذا الموقف العجيب، وقد اجتمع عليه شعوران في وقت واحد: فرحة الوصول إلى الجواب الصحيح، ودهشة مما جرى أمام عينيه.
ثم قال بخشوع وإيمان عميق:
“إنّ الله تعالى ينصر دينه ويحفظ كتابه بجنود لا قِبَل لنا بمعرفتها.”
ثم تلا قوله تعالى:
﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ — الحجر: 9
صدق الله العظيم.
دروس مستفادة من هذه القصة الاستثنائية
أولاً: عظمة اللغة العربية ودقّتها في فهم القرآن
هذه القصة تُبيّن بجلاء أن القرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين، وأن كل حرف وكل كلمة فيه موضوعة في مكانها بحكمة إلهية بالغة. كلمة واحدة مثل “الَّذِي” كانت كفيلة بدفع إشكال كبير قد يخطر على أذهان أهل اللغة والنحو.
ثانياً: تواضع العلماء الكبار واعترافهم بحدود علمهم
الشيخ الشعراوي لم يتكبّر عن السؤال حين أشكل عليه أمر، بل ذهب بنفسه إلى شيخه يطلب العون والمشورة. وهذا درس بليغ لكل طالب علم: مهما بلغت من المعرفة، يبقى فوقك من هو أعلم، ويبقى علم الله فوق الجميع.
ثالثاً: حفظ الله لكتابه حقيقة شاهدة عبر الزمن
يؤمن المسلمون أن الله تعالى تكفّل بحفظ القرآن الكريم من التحريف والتبديل، ومن كل ما قد يُلبّس على الناس فهمه. وهذه القصة – سواء فسّرها الإنسان بما شاء – تظلّ شاهداً حيّاً على أن هذا الكتاب العظيم محفوظ بعناية ربانية لا حدود لها.
خاتمة: كلمات قليلة تحمل معاني كبيرة
ما أعجب هذا القرآن! وما أعظم أسراره! كلّما ظنّ الإنسان أنه أحاط بشيء من علومه، انفتحت أمامه أبواب جديدة تُذكّره بأنه لا يزال في أول الطريق.
وقصة الشيخ الشعراوي هذه ليست مجرد حكاية تُروى للتسلية، بل هي دعوة صادقة لكل مسلم ومسلمة أن يُقبل على كتاب الله بالتدبر والتأمل، وأن يثق يقيناً بأن هذا الكتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
رحم الله الإمام الشعراوي رحمة واسعة، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
Views: 4.6K


