قصه احببتها ڠصب عني

Views: 387

رحلتي مع اكتشاف اضطراب حسي عند طفلتي وكيف أنقذناها بالعلاج النفسي المتخصص

كنت أظن أنني أم واعية، لكنني كنت أنكر الحقيقة. لمدة طويلة، أقنعت نفسي بأن تغيرات سلوك ابنتي مجرد مرحلة عابرة. ليس سهلاً على أي أم أن تعترف بأن هناك مشكلة حقيقية تتفاقم في منزلها، خاصة عندما يتعلق الأمر بصحة الطفل النفسية والاضطرابات الحسية التي تتطلب تشخيصًا متخصصًا وتدخلًا علاجيًا مبكرًا.

أول لحظات التحذير التي لم أنتبه لها

ابنتي ليلى كانت في الخامسة من عمرها. طفلة مليئة بالحياة، ضحكتها تملأ المنزل، وصوتها يسبقها في كل مكان. حتى عندما كانت تلعب بمفردها، كنت أشعر أن المنزل كله نور وطاقة.

ثم، دون سابق إنذار، تغير كل شيء.

لم يكن مجرد هدوء طبيعي أو مرحلة مؤقتة. كان انسحابًا كاملًا، كأن شخصًا ما سحب الطاقة من داخلها. لو كنت أعرف أهمية الكشف المبكر عن المشاكل النفسية عند الأطفال، لتحركت بشكل أسرع بكثير.

العلامات الحمراء التي لا يجب تجاهلها

بدأت الأمور تتضح أثناء الاستحمام. لاحظت أن ليلى تخرج من الحمام ليست هادئة فقط، بل باهتة تمامًا. تلف الفوطة حول نفسها وكأنها تحاول الاختباء. عندما أنظر في عينيها، أجدها مثبتة في الأرض، وإذا اقتربت منها، يتجمد جسمها كله.

في مرة، مددت يدي ولمست شعرها برفق. قامت بنفضة صغيرة. نفضة واحدة فقط جعلت قلبي يقف.

هذه الأعراض، كما أخبرتني لاحقًا الأخصائية النفسية، تسمى فرط الحساسية اللمسية. وهي من أهم مؤشرات اضطراب المعالجة الحسية الذي يحتاج إلى تقييم نفسي متخصص.

لماذا غريزة الأم وحدها لا تكفي

الإحساس الداخلي الذي يحرك الأم في لحظة الخطر كان يدق جرس الإنذار داخلي، لكنني تجاهلته. توجهت إلى زوجي هاني وواجهته بالأمر. سكت لحظة ثم قال بهدوء غريب إنه يحاول مساعدتها.

قلت له: بهذه الطريقة؟ إنها مرعوبة!

رفع صوته عليّ لأول مرة وقال إنني لا أرى الصورة كاملة.

التشخيص الذي غير كل شيء

دخل الغرفة وأخرج ملفًا به أوراق. تقارير طبية وملاحظات من طبيبة نفسية متخصصة في أمراض الأطفال ومعتمدة في العلاج السلوكي المعرفي.

اهتزت يداي وأنا أقرأ التقرير النفسي:

  • صعوبة في التواصل الاجتماعي والتفاعل مع الأقران
  • حساسية مفرطة تجاه اللمس والمحفزات الحسية
  • اضطراب حسي يظهر بوضوح عند التعرض للماء
  • انسحاب عاطفي وتجنب التواصل البصري

نظرت إليه بصدمة. قال بصوت مكسور إن الطبيبة النفسية لاحظت هذه المؤشرات منذ ثلاثة أشهر وكانت تتابع الحالة.

كلفة التأخير في طلب المساعدة

صرخت فيه: ثلاثة أشهر ولم تخبرني؟

رد أنه كان خائفًا من رد فعلي، أنني سأنكر الأمر كما فعلت من قبل.

سكتُ. لأنه كان محقًا. وهذا يؤكد أن الوعي بالصحة النفسية ليس رفاهية، بل ضرورة، خاصة عندما يتعلق الأمر بأطفالنا. كثير من الأهالي يؤجلون طلب الاستشارة النفسية بسبب الخوف أو الإنكار، وهذا يضيع وقتًا ثمينًا في التدخل المبكر.

قرأت كل ما كان مكتوبًا في التقارير. كل الأعراض التي كانت أمام عيني وأنا أفسرها خطأ. رفض الماء، رفض اللمس، الانسحاب من التفاعل في الحضانة. هاني كان يحاول مساعدتها على التعود خطوة بخطوة، لكنه كان وحيدًا ومن دون خطة علاجية واضحة.

نظرت إلى ليلى وهي متكومة في حضني وقلت له: لكن ليس بهذه الطريقة. لست وحدك، ولا في السر. نحتاج إلى برنامج علاجي متكامل تحت إشراف متخصصين.

القرار الجريء بمواجهة المشكلة كأسرة

لأول مرة، رأيت هاني ضعيفًا. قال إنه كان خائفًا أن يخسرها أو يخسرنا كعائلة.

نزلت دموعي. ليس فقط خوفًا على ابنتي، بل خوفًا على استقرار الأسرة بأكملها وعلى العلاقة بيننا.

قلت له وأنا أحتضن ليلى: لن يتم أي شيء في السر مرة أخرى. نحن معًا في كل خطوة. ومنذ ذلك اليوم، بدأت رحلة جديدة تمامًا مع أفضل مراكز العلاج النفسي للأطفال.

أولى خطوات العلاج السلوكي

لم تكن الرحلة سهلة ولا سريعة. جلسات العلاج السلوكي كانت مرهقة، فيها تعب ودموع، لكن فيها أيضًا خطوات حقيقية للأمام.

أول جلسة مع الأخصائية النفسية كانت أصعب تجربة في حياتي.

ليلى كانت تمسك يدي بقوة، رافضة دخول عيادة الطب النفسي. عيناها مليئتان بالخوف، ليس من المكان بالتحديد، بل من أي تغيير.

الطبيبة المعالجة كانت هادئة جدًا. نزلت لمستوى ليلى وقالت بصوت ناعم: سنلعب فقط. لا يوجد شيء يقلقك.

ليلى لم ترد، لكنها أيضًا لم تهرب. واعتبرت الطبيبة ذلك أول مؤشر إيجابي في خطة العلاج.

فهم طبيعة الاضطراب الحسي

بدأت الجلسة بأنشطة العلاج باللعب. ألوان، ماء في طبق صغير، كل تفصيلة محسوبة ضمن البرنامج العلاجي المتخصص.

الأخصائية النفسية شرحت لنا أن ليلى تعاني من اضطراب في المعالجة الحسية. أي محفز حسي بالنسبة لها يتضاعف عن المعدل الطبيعي كثيرًا. الماء، الصوت العالي، اللمس المفاجئ، كلها تمثل تجربة مرهقة للجهاز العصبي عند طفل يعاني من هذه الحالة.

أكملت الطبيبة وقالت شيئًا غيّر فهمي تمامًا: الخطأ ليس في أن نساعدها. الخطأ هو أن نضغط عليها أو نجعلها تشعر بأنها هي المشكلة. هذا ما يسميه المتخصصون إعادة الصدمة، وهو ما يؤخر التعافي النفسي بشكل كبير.

اللحظة التي كسرت قلبي وغيرت نظرتي

عندما سمعت كلمة “خطأ”، تذكرت أن ليلى قالتها من قبل. قالت: أنا غلطت؟

في تلك اللحظة، شعرت بأن قلبي يتقطع حقًا. طفلة في الخامسة من عمرها تلوم نفسها على شيء ليس ذنبها. وهذا يؤكد أهمية التربية الإيجابية وأن أسلوب تعاملنا مع أطفالنا يؤثر على تقديرهم لذاتهم بشكل عميق.

بعد الجلسة، خرجنا صامتين. ركبنا السيارة وليلى نامت في المقعد الخلفي. نظرت إلى هاني وقلت له بهدوء: سنبدأ من جديد. معًا. لكن بدون أسرار.

التغلب على التحديات اليومية

الأيام التي تلت كانت اختبارًا حقيقيًا لصبرنا. لبس الملابس كان تحديًا. غسل اليدين كان تحديًا. حتى الحضن أحيانًا كانت ترفضه. وهذا شائع جدًا في حالات فرط الحساسية الحسية عند الأطفال.

لكن في المقابل، كانت هناك لحظات صغيرة تساوي كل التعب. مثل النظرة في عيني لأول مرة منذ فترة طويلة، أو كلمة واضحة ومفهومة، أو ضحكة حقيقية من القلب.

دور الأب في رحلة الشفاء

هاني كان يحاول أيضًا، لكن بطريقة مختلفة تمامًا هذه المرة. أصبح يحضر جلسات الإرشاد الأسري مع الطبيبة، يسأل ويتعلم ويستمع.

في يوم، دخلت المنزل فوجدته جالسًا مع ليلى أمام طبق فيه ماء. لكن هذه المرة، لم يكن يضغط عليها على الإطلاق.

كان يضع إصبعه في الماء ويضحك ويقول: انظري، أنا ألعب!

ويتركها. لا يطلب منها شيئًا. فقط ينتظر بصبر.

ليلى كانت تنظر إليه وتفكر. ثم ببطء شديد، قرّبت يدها. لامست الماء بسرعة وسحبتها. نظرت إليه.

ابتسم دون أن يعلق.

كنت واقفة على باب الغرفة ودموعي تنزل دون صوت. كانت هذه أول مرة تلمس فيها ليلى الماء بإرادتها، وهذا يُعتبر تقدمًا علاجيًا كبيرًا.

التعامل مع الانتكاسات

لم تكن كل الأيام سعيدة. في يوم، حدثت انتكاسة.

استيقظت ليلى من النوم تصرخ. كانت ترتجف ولا تستطيع الهدوء. حاول هاني الاقتراب منها فرفضته تمامًا.

احتضنتها بهدوء حتى نامت مرة أخرى.

بعدها، خرجت فوجدت هاني جالسًا وحده في الصالة. عيناه حمراوان.

قال بصوت خافت: أنا الذي تسببت في كل هذا.

جلست بجانبه وقلت له: لا. نحن جميعًا نتعلم. وهي أيضًا تتعلم. الانتكاسة جزء من التعافي، ليست نهايته.

التحسن التدريجي والنتائج الملموسة

مرت الأشهر ببطء لكن بثبات. ليلى بدأت تتحسن حقًا بفضل البرنامج العلاجي المتكامل. ليس تحسنًا مفاجئًا، بل تقدمًا تدريجيًا ومستقرًا.

أصبحت تتحمل صوت الماء. تلمسه لفترة أطول. تضحك عندما نرش عليها نقطًا صغيرة.

وفي يوم، كنا في الحمام أنا وهي. وضعت يدي في الماء ونظرت إليها وقلت: هل نجرب معًا؟

سكتت ثانية ثم قالت بهدوء: أنتِ معي؟

ابتسمت: دائمًا.

وضعت يدها في يدي ونزلناهما في الماء معًا.

لم تصرخ. لم تخف.

نظرت إليّ وقالت: ليس سيئًا.

ضحكت وأنا أبكي في نفس الوقت: نعم حبيبتي، ليس سيئًا على الإطلاق.

اللحظة التي عوّضت كل شيء

خرجنا من الحمام فوجدت هاني واقفًا على الباب. كان يسمع كل شيء. عيناه لامعتان لكنه يحاول الابتسام.

ركضت ليلى إليه وأمسكت يده وقالت: بابا، الماء لا يخيف كثيرًا الآن!

في تلك اللحظة، شعرت بأن كل تكلفة العلاج النفسي، كل الجلسات، كل الدموع والصبر، كان يستحق كل ذلك مليون مرة.

الدروس التي تعلمناها

عاد المنزل ليتوهج من جديد، لكن بشكل مختلف وأعمق. أصبحنا أكثر هدوءًا وأصدق وأقرب لبعضنا البعض.

تعلمنا أن الحب وحده لا يكفي في تربية الأطفال. يجب أن يصحبه فهم حقيقي، وصبر طويل، ومشاركة فعلية، وأحيانًا مساعدة متخصصة من خبراء الصحة النفسية.

والدرس الأهم: عندما يقول الطفل “أنا خائف”، يجب أن نسمعه ونفهمه ونحترم مشاعره، لا أن نحاول تغيير خوفه بالضغط أو التجاهل.

رسالتي لكل أم وأب

كل ليلة قبل أن أنام، أنظر إلى ليلى وهي نائمة في سريرها بسلام.

كنت أظن أن أسوأ شيء يمكن أن يحدث لي هو اكتشاف سر مخيف. لكن الحقيقة هي أن أسوأ شيء كان ألا أرى ابنتي وهي تطلب المساعدة بطريقتها.

الحمد لله أننا استيقظنا قبل فوات الأوان.

إذا كنت أمًا أو أبًا وشعرت بأن هناك شيئًا مختلفًا في سلوك طفلك، لا تنتظر. احجز استشارة نفسية متخصصة للأطفال في أقرب عيادة طب نفسي أطفال أو مركز علاج سلوكي معتمد. خطوة واحدة قد تفرق في مستقبل طفلك النفسي والعاطفي للأبد.

التدخل المبكر في حالات الاضطرابات الحسية والنفسية عند الأطفال يوفر سنوات من المعاناة ويفتح أبواب أمل كثيرة. لا تدع الخوف أو الإنكار يمنعك من اتخاذ الخطوة الأولى. أطفالك يتحدثون بطريقتهم، لكنهم يحتاجون من يسمعهم ويفهمهم.

Views: 387

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top