Views: 608
قصة إنقاذ مريض بمستشفى شقراء العام.. الطبيب حكم عليه بالموت فعاد للحياة بأعجوبة
في عالم الطب والجراحة، هناك لحظات تتوقف عندها عقارب الساعة وتتجمد أنفاس الفريق الطبي بأكمله. لحظات يقف فيها الإنسان أمام قدر لا يملك له حولاً ولا قوة، لكنه يقرر أن يقاتل رغم كل شيء. هذه واحدة من تلك اللحظات النادرة التي لا تتكرر إلا مرة واحدة في العمر، وروى تفاصيلها الدكتور أحمد الشباسي، اختصاصي الجراحة العامة الذي عمل في مستشفى شقراء العام ومستشفى شرق جدة، في واحدة من أكثر القصص الطبية تأثيراً التي قرأتها في حياتي.
مكالمة الطوارئ التي غيّرت كل شيء
يقول الدكتور أحمد الشباسي إنه استيقظ قبل يومين على مكالمة عاجلة من قسم الطوارئ تطلب حضوره فوراً لاستقبال حالة حرجة وصلت للمستشفى. لم يضيع ثانية واحدة، هرع إلى المستشفى ليجد أمامه شاباً مصرياً حديث الوصول إلى المملكة العربية السعودية، جسده شاحب وعيناه زائغتان وأنفاسه تتسارع بشكل مرعب. كان الرجل يلفظ أنفاسه الأخيرة فعلاً، والمشهد أمامه كان أقرب ما يكون إلى مشهد من أفلام الدراما الطبية، لكنه حقيقي مئة بالمئة.
الفحص الأولي كشف عن كارثـة حقيقية. الشاب فقد معظم دمه نتيجة إصابة بالغة الخطورة أصابت الجانب الأيمن من جسده، وتحديداً المنطقة التي تغذي المخ بالدم. هذا النوع من الإصابات يعني أن الدورة الدموية تنقطع تماماً خلال دقائق معدودة إذا لم يتم التدخل فوراً. والمخ بدون دـm يعني مـoت الدماغ، وموت الدماغ يعني نهاية لا رجعة فيها. هكذا ببساطة.
لحظة اليأس التي قرر فيها الطبيب ألا يستسلم
عندما دخل الدكتور الشباسي إلى غرفة الطوارئ، كان فريق الإسعاف الطبي يعمل بأقصى طاقته. الممرضات يحاولن تركيب كانيولات وريدية لضخ الدم والمحاليل، وطبيب آخر يضغط بكل قوته على الجرح المفتوح لوقف النزيف. لكن المشكلة الكبرى كانت أن الأوردة اختفت تماماً تحت الجلد بسبب فقدان الدم الهائل، وكل محاولة لتركيب أنبوب وريدي كانت تفشل.
بنظرة سريعة وخبرة سنوات من العمل في غرف العمليات وأقسام الطوارئ، كان رأي الدكتور الشباسي واضحاً وصادماً في نفس الوقت. هذا الإنسان ميت لا محالة. لا توجد طريقة طبية لتعويض كمية الدم المفقودة بالسرعة الكافية لإبقاء المخ على قيد الحياة. الأوردة مختفية، والنزيف لا يتوقف، والوقت يمر بلا رحمة.
لكن وسط كل هذا اليأس الطبي، قال لنفسه جملة واحدة غيّرت مجرى القصة كلها. قال: الموت والحياة بيد الله وليست بيدك، فقط افعل ما عليك واترك الباقي. وهذه الجملة البسيطة هي بالضبط ما يفرق بين الطبيب الجيد والطبيب العظيم.
المعجزة الطبية التي حدثت أمام عينيه
بعد دقائق بدت كأنها دهور، حدث ما لم يتوقعه أحد. نجحت الممرضات بطريقة ما في تركيب كانيولتين وريديتين، وبدأ الدم والمحاليل يتدفقان إلى الدورة الدموية بأقصى سرعة ممكنة. وكأن الجسد المنهك قرر فجأة أن يتعاون. بدأ الجرح ينزف مجدداً حتى مع الضغط المستمر عليه، فتولى الدكتور الشباسي بنفسه ربط الشرايين والأوردة الرئيسية المصابة، ونجح بتوفيق من الله في إيقاف النزيف تماماً.
وهنا بدأت الأمور تتغير بشكل مذهل. مع توقف النزيف واستمرار ضخ الدم والسوائل، بدأ ضغط الدم يرتفع تدريجياً حتى أصبح قابلاً للقياس. ثم جاء النبض، خافتاً في البداية ثم أقوى. وبعدها تمكن الفريق من وضع المزيد من الكانيولات وضخ كميات إضافية من الدماء والسوائل الوريدية.
اللحظة التي لن ينساها الدكتور الشباسي ما حيي هي عندما نظر إلى المريض فوجده يتحرك. نعم، يتحرك استجابة للألم. وحدقتا عينيه بدأتا تستجيبان للضوء. هذه علامة طبية واضحة تعني شيئاً واحداً فقط: المخ لا يزال حياً. بعد كل ما تعرض له من نقص حاد في التروية الدموية، بعد دقائق كانت كفيلة بإنهاء حياته، عاد هذا الشاب من حافة الموت بأعجوبة لا يفسرها إلا قدرة الله وحكمته ورحمته التي فوق كل الأسباب وفوق كل ما تعلمناه من علوم الطب.
من مستشفى شقراء إلى الرياض.. رحلة أمل جديدة
بعد استقرار العلامات الحيوية للمريض بشكل كامل، تولى طبيب التخدير وضعه على جهاز التنفس الصناعي لحماية رئتيه وضمان وصول الأكسجين بشكل كافٍ أثناء فترة التعافي. ثم تم تنسيق نقله جواً إلى مستشفى أكبر في الرياض يضم تخصص جراحة الأوعية الدموية، لأن الإصابة التي تعرض لها الشاب تحتاج تدخلاً جراحياً دقيقاً لإصلاح الأوعية المتضررة ومنع أي مضاعفات مستقبلية.
هذا النوع من التنسيق بين المستشفيات في نظام الرعاية الصحية السعودي يعكس مستوى عالٍ من التكامل الطبي، حيث لا يتوقف العلاج عند حدود مستشفى واحد بل يمتد ليشمل أفضل التخصصات المتاحة في المملكة.
رسالة الدكتور الشباسي التي يجب أن يقرأها كل إنسان
في نهاية قصته، لم يكتب الدكتور أحمد الشباسي ليأخذ حقه أو يدعي لنفسه أي فضل. قالها بكل وضوح وتواضع: الفضل لله أولاً وآخراً، ثم لفريق العمل كاملاً من أطباء وتمريض وتخدير وفنيي بنك الدم الذين لم يدخروا جهداً في إسعاف المريض وكأنه أحد أفراد عائلاتهم. وربما يكون هو نفسه آخر من يستحق الشكر في تلك القائمة.
لكن الغرض الحقيقي من كتابته كان رسالة قاسية يوجهها لنفسه ولكل طبيب وكل إنسان يظن أنه يعرف مصير غيره. قال إنه أراد أن يوبخ نفسه التي كادت تحكم على ذلك الشاب بالموت قبل أن تبدأ المعركة الحقيقية. الرسالة بسيطة لكنها عميقة جداً: لا تحكم على أحد بالموت أو بالحياة. لا تتكلم فيما ليس لك به علم. انشغل بأداء واجبك فقط، واترك النتيجة لمن بيده ملكوت كل شيء.
وآخر ما وصل إلينا من أخبار هذا الشاب المصري أن قريبه تواصل مع الدكتور الشباسي وبشره بأن المريض تم فصله من جهاز التنفس الصناعي وأنه واعٍ تماماً ويتفاعل بشكل جيد مع من حوله. فلله الحمد والمنة على هذه النعمة التي تذكرنا دائماً أن بين الحياة والموت أحياناً دقائق فقط، وأن بين اليأس والأمل أحياناً يد طبيب لا يستسلم وفريق تمريض لا يتوقف ورحمة إلهية لا حدود لها.
Views: 608


